الحكيم الترمذي
153
غور الأمور
سابق علمه فيه ، فالتفت إلى عمله ، قايسه « 1 » بالعدل ، فإذا فعل ذلك به هلك واستحق العقاب ، لأن العبد لم يأت بطاعة ، ولا انتهى عن معصية إلا به ، ولربه عليه المنة في التوفيق والعصمة . فإذا قايس أعماله بهذين غرقت أعماله كلها ، ونفيت النعم عليه ، نعم الدنيا ، والآخرة . فإنفلق بها ، أي شئ يفكه إلا فضله ورحمته ، فإن عمى أحد عما شرحناه فإن الأخبار واردة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بما حقق ذلك . روى سليمان بن هرم عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللّه قال : خرج إلينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : خرج من عندي خليلي جبريل آنفا ، فقال لي : يا محمد ، إن للّه لعبد من عباده عبد اللّه خمسمائة سنة على رأس جبل في الهجر ، عرضه وهو له مليون ذراعا في ثلثين ، والهجر محيط به أربعة آلاف فرسخ من كل ناحية ، وأخرج له عينا عذبة بعرض الإصبع ، بيض له بماء عذب مستبقع « 2 » في أصل ذلك الجبل ، وشجرة الرمان هناك ، تخرج كل ليلة رمانة ، فإذا العشاء ترك . فأصاب من الوضوء أخذ تلك الرمانة فأكلها ، ثم قام إلى صلاته ، فسأل ربه عند وقت الأجل . أن يقبضه ساجدا ، وإلا يجعل للأرض ، ولا لشئ يفسده عليه سبيلا حتى يبعثه ساجدا ، ففعل ، فنحن نمر به إذا هبطنا وإذا عرجنا ، ونجده في العلم أنه يبعث يوم القيامة ، فيوقف بين يدي اللّه تعالى . فيقول له الرب : أدخلوا عبدي الجنة برحمتي ، فيقول : بل بعملي يا رب . فيقول : ادخلوا عبدي الجنة برحمتي ، فيقول : بل بعملي يا رب - فيقول : قايسوا
--> ( 1 ) قايسه : من قاس الشئ بغيره يقيسه قيسا واقتاسه قدره على مثاله . ( 2 ) مستبقع : المكان الذي يستنقع فيه الماء ، أو القطعة من الأرض على غير هيئة التي إلى جنبها وأصل الكلمة مأخوذ من البقعة .